الموهوبون … كنز مهجور

  

 

قبل سنتين تقريبا .. قمت بزيارة إلى مدينة الدمام الساحلية في جولة إشرافية لبرامج رعاية الموهوبين. عرض عليَّ معلم رعاية الموهوبين في إحدى المدارس حالة طلابية جديرة بالاهتمام. عبدالرحمن، طالب نجيب أريب عجيب، لديه استعدادات عقلية منطقية عالية؛ “لم يمض على بداية الفصل سوى أسبوعين، ومع هذا أبدى عبدالرحمن قدرة عالية على حل جميع المسائل الرياضية التي يحملها الكتاب المدرسي بين دفتيه…”، كما أن لديه قدرات عقلية إبداعية مثيرة للاهتمام؛ “لديه أسئلة متتابعة وغريبة بعض الشيء، ويملك أيضا القدرة على الخروج بإجابات متعددة لمسألة واحدة… ماذا عسى معلم الرياضيات أن يقدم له بقية هذا الفصل؟” علامة استفهام منطقية أضاءت في عقل المعلم بل وتضيء في عقل كل متدبر لمثل هذه القضية.

 

المعلم وهذا الطالب..

هل مثل هذه الحالة شاذة؟ وبالتالي يجب أن لا تسترعي الانتباه !! هذا تصور يحمله بعض المتابعين والمعلمين والتربويين، بل بعضهم يترجم هذا التصور إلى سلوك محاولة منه لاستيعاب المشكلة. عرضت هذه الحالة على فريقين؛ الأول عدد من المعلمين والثاني عدد من الأكاديميين والمشرفين التربويين. النتيجة العجيبة التي خرجت بها أنه وعلى الرغم من التباين الجلي بين مجموع استجابات الفريقين، إلا أنهما يتفقان من حيث الزاوية التي ينظرون من خلالها إلى هذه المشكلة.

فريق المعلمين تركزت استجاباتهم حول: “إشغال” الطالب خلال وقت الحصة الدراسية ببعض المهمات “الإنسانية” لمساعدة المعلم في تصحيح الواجبات والمسائل الرياضية للطلبة أو في مساعدة بعض الطلبة على فهم بعض المفاهيم الرياضية. أما الفريق الثاني فتركزت استجاباتهم حول: “مكافأة” الطالب على هذه القدرات العالية من خلال تكليفه ببعض المهمات “الاجتماعية” كقيادة مجموعة من الطلبة في المجموعات التعاونية أثناء استخدام أسلوب التعلم التعاوني، أو من خلال حثه على المشاركة في مجموعات النشاط العلمي داخل المدرسة.

من الواضح أن معظم استجابات الفريقين تركزت حول معالجة المشكلة من زاوية “المعلم”، فيما كان هناك إغفال واضح في: البحث عن أفضل الطرق لمساعدة عبدالرحمن على التعلم بصورة أفضل وأعمق، البحث عن أفضل الطرق لتنمية قدرات عبدالرحمن العقلية، البحث عن أفضل الطرق ليستفيد عبدالرحمن من قدراته، والبحث عن أفضل الطرق لاستثمار قدرات عبدالرحمن فيما يفيد حاضر المجتمع ومستقبله. 

 

سباق رياضي وآخر علمي…

لماذا تركزت الاستجابات في مضمونها غير المصرح به حول: كيف نؤخر تعلم عبدالرحمن في مهارات الرياضيات حتى يلحق به زملائه؟ لو قيل لأحدهم أن مدربا لسباقات الجري يجبر أميز اللاعبين لديه ذا القدرات العالية أن يهدئ من سرعته أثناء الجري ليتساوى معه بقية اللاعبين وذلك للمحافظة على الجو الاجتماعي فيما بينهم، وأنه –المدرب – دائما ما “يشغل” جل وقت هذا اللاعب المتميز في “مساعدة” بقية اللاعبين على تحسين أدائهم وذلك “مكافأة” له على تميزه. ماذا عسى آراءهم حول هذا المدرب أن تكون! ألا تشعر كما أشعر أن هذا المدرب وذاك المعلم يعملان على إحباط قدرات اللاعب والطالب بأسلوب تدريجي؟ ألا تتحسر كما أتحسر على الخسائر الفادحة التي سيتكبدها المجتمع جراء فقدان مثل هذه الطاقات؟ ألا تضرب كفا بكف ثم تسند رأسك إلى الوراء سابحا في أجواء الخيبة والأسى كما أفعل حينما أتفكر في هذه القدرات المهملة وهذه الطاقات المهدرة؟  ألا تتساءل كما أتساءل: لما لا يكون لمثل هؤلاء الطلبة برامج خاصة؟ لما لا يكون لهؤلاء إعداد خاص ومركز ومتتابع وموجه لخدمة أهداف واضحة جلية تتمحور حول بناء مستقبل هذا المجتمع ورخائه وتقدمه؟

 

قدرات عقلية غير تقليدية

دعني أتحدث إليك قليلا عن نوع الطلبة الذين يمثلهم عبدالرحمن في هذا المقال. عبدالرحمن لا يمثل مجموع الطلبة الموهوبين عموما ممن يمتلكون قدرات عقلية تفوق مستوى قدرات أقرانهم بقليل والتي قد تكفيهم برامج إثرائية متقطعة في داخل المدرسة العادية. وإنما أريد هنا الحديث عن تلك الفئة الخاصة من الموهوبين ممن يمتلكون قدرات عقلية عالية جدا لا تستوعبها أبدا إمكانات الصفوف الدراسية المادية والبشرية، بل ولا حتى برامج الموهوبين التقليدية المتقطعة داخل المدارس العامة. هم – باختصار شديد – من يشعر المعلم تجاههم أنهم منافسون حقيقيون له في فهم المحتوى العلمي، بل هم أولئك الذين يشعر المعلم المخلص دوما بقلق شديد حول مدى الإضافة التي يمكن أن يقدمها لهم؛ “ماذا عساي أن أقدم له؟” استحضر معي في ذهنك الطالب عبدالرحمن؛ هو طالب موهوب بلا شك، يمتلك قدرات عقلية عالية تؤهله للتمكن من المحتوى العلمي للمقررات الدراسية في وقت أقصر بكثير من أقرانه، وفي الوقت نفسه لديه القدرة العالية على تحصيل موضوعات علمية تتسم بدرجة عالية من التعقيد والتجريد. هذا التميز الذي أظهره عبدالرحمن لم يكن فقط في مقرر الرياضيات – وإن كان فيه أكثر وضوحا- بل تعدى ذلك إلى مقررات أخرى مثل أفرع العلوم وغيرها، وتجلى واضحا في مستوى الأسئلة التي يطرحها، وطبيعة الموضوعات التي يتناولها.

عبدالرحمن ليس حالة فريدة من نوعها، بل هناك عدد غير قليل من الطلبة ممن لديهم مثل هذه القدرات أو تزيد موزعون في أنحاء متفرقة في قرى ومحافظات ومناطق المملكة، وقد اطلعت على عدد من تلك الحالات والتي لو قُدّر أن يوفر لها الرعاية المناسبة لقدراتها لتغير وجه المجتمع ككل في عقد أو عقدين من الزمان على الأكثر.

 

طائرة نفاثة لم تعتد الطيران أبدا

اعترض علي مرة أحد المعلمين المخضرمين عندما سمعني أتحدث عن مثل عبدالرحمن، وقال لي بصوت هادئ رزين وابتسامة جميلة مشرقة مضيئة قد أحاطها شعر وجهه الأبيض الوقور: “لي في مجال التربية والتعليم ما يزيد عن ثلاثين سنة، درست خلالها أجيالا وأجيالا في صفوف دراسية متنوعة بين المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، ولم أر ممن تتحدث عنهم إلا قليل وقليل جدا، وهؤلاء القلة لم يكونوا قط مشكلة، بل هم دوما سعداء بإنجازهم، ومصدر سعادة لمعلميهم، فلم كل هذا التضخيم؟ …” شكرته كثيرا على تعليقه، الأستاذ صالح بحق استرعى انتباهي إلى قضية أن المشكلة التي أتحدث عنها خفية غير ملموسة، كامنة غير مشهودة بالعين المجردة، إن لم تُنكش لن تعلم، وإن تركت لن تسترعي انتباه أحد.  ذكرني هذا المعلم الوقور بنتائج بعض الدراسات العلمية والتي تشير إلى أن كثيرا من الطلبة الموهوبين يصابون بالخمول الذهني تدريجيا نتيجة عدم مواءمة ما يقدم لهم من مناهج دراسية لمستوى قدراتهم العقلية وبالتالي تبدو هذه القدرات في المراحل الدراسية المتأخرة غير ملفتة للانتباه. وبعبارة أخرى تقريبية قياسية، تضمر قدراتهم العقلية الفتية كما تضمر عضلات المتسابقين المهرة عندما يتراخى مدربهم عن توفير فرص تدريبية لهم تتوافق وقدراتهم العضلية.

 

إحصاءات مزعجة

الأستاذ صالح كان يتحدث عن طلبة يحققون نتائج متميزة، فسعدوا بذلك التميز وانشرح صدر معلميهم بهذا التفوق الذي ساعدهم على رفع مستوى الرضى عن أنفسهم أن كانوا جزءا من هذا التميز، ظنا منهم أنهم سببا رئيسا فيه. ولا أشك أن للمعلم دورا كبيرا في تميز طلبته، إلا أن تميز طالب مثل عبدالرحمن ليس لجهد المعلم دور كبير فيه، بل أكثر من ذلك، أشار عدد غير قليل من الدراسات العلمية أن الطلبة ذوي القدرات العقلية العالية جدا لا يبذلون سوى ما يقارب 50% أو أقل من طاقاتهم لتحقيق التميز الباهر في عين معلم الصف العادي. أما عن الوقت الذي يقضيه أمثال عبدالرحمن في الحصة الدراسية في المدارس العادية، فتشير الدراسة الطولية التي أجرتها العالمة الأمريكية  Hollingsworthأن نسبة الوقت المستثمر الذي يمكن أن يستفيد منه قد لا تتجاوز في أحايين كثيرة 20-30% من إجمالي وقت الحصة، بعبارة أخرى 70- 80% من وقت عبدالرحمن في المدرسة يذهب هدراً. وبمعنى ثالث 70-80% من طاقات وقدرات أمثال عبدالرحمن لا يتم استثمارها لا لأنفسهم ولا لمجتمعاتهم. وإذا ما علمنا أن القدرات البشرية تنمو بشكل مستمر، وأن نسبة نمو قدرات الطلبة النابهين تزيد عن أقرانهم في العمر الزمني بمراحل عديدة خاصة في سني العمر ما دون العشرين سنة، إذا ما علمنا ذلك فإننا نتلمس فداحة المشكلة وعظم آثارها السلبية ليس في حدود المحيط الشخصي للطالب بل وتتعداه إلى فقدان المجتمع لخدمات جليلة وإضافات مؤثرة من الممكن أن تغير الوجه الذي تبدو فيه أي أمة.

 

تضحية بالقدرات أم كمون طويل

الأستاذ صالح كان يتحدث عن فئة واحدة فقط من فئات الموهوبين ذوي القدرات العقلية العالية جدا، هذه الفئة تتم ملاحظتها بسهولة وتحقق إلى درجة معقولة نجاحات جيدة على المستوى التحصيلي المدرسي، لكن المشكلة الأكبر أن هناك فئة أخرى من الموهوبين لا تقل استعداداتهم العقلية عن مستوى استعدادات عبدالرحمن وأمثاله، فئة أخرى ليس لها من التوهج الأكاديمي ما يشفع أن تلقى قدراً من الاهتمام المدرسي أو الأسري بها، فئة أحسن ما يقال فيها أنها من ضمن شريحة كبيرة من الطلبة إن حضرت لم تذكر وإن غابت لم تفقد. هذه الفئة وإن امتلكت استعدادات عقلية مرتفعة إلا أنها آثرت أن تنزوي وسط الزحام فلا تعرف، وترضى بقليل جهد فلا تذكر، ونسيت مع مرور الزمن أن لها قدرات فريدة كان الأجدر أن تستثمر.

 

سالم .. وما أدراك ما سالم

هذه الفئة يمثلها في ذاكرتي طالب اسمه سالم، بدأ حياته المدرسية بحماسة ورغبة شديدة. دخل إلى المدرسة وقد أجاد وهو ابن الثلاث سنوات ونصف القراءة، وفي الخامسة أتقن الكتابة، وقبل السابعة أجاد الجمع والطرح وبعض جداول الضرب. الأسبوع الأول والثاني في المدرسة كان ماتعا له من الناحية الاجتماعية، وبعدها بدأت أوجاع البطن تنتابه. الحقيقة أن أوجاع البطن لم تكن سوى ترجمة طبيعية لما عجز لسانه أن يعبر عنه من شعور بالملل والإحباط. حاول مراراً أن يستمتع بوقت الحصة الدراسية ولكن لا فائدة، مازال المعلم يقول: “رددوا معي أَ إِ أُ”. بالله عليك ما الذي تشعر به عندما تستمع إلى قصة للمرة الثانية أو الثالثة، أو ما الذي تحاول أن تفعله عندما يبالغ أحدهم في شرح فكرة لك تعرفها منذ زمن وأنت في الوقت نفسه مضطر للبقاء لتستمع له؟ ألا تشعر بحاجة إلى الهرب؟ ألا تشعر بحاجة إلى التقيؤ؟ هذا ما حدث لسالم. أخبرني والده مراراً عن عبارة دائما ما يرددها سالم مفادها: ” المدرسة مملة… نحن نذهب إلى هناك ولا نعمل شيء سوى الجلوس على المقعد ..”. الملل الذي يعاني منه سالم انتقل معه للصف الثاني وبطبيعة الحال ينتقل هذا الملل ليولد عدم رغبة في حل الواجبات المدرسية، لا لشيء وإنما لتفاهتها بالنسبة له، وإذا اضطر لها إما لقسوة أستاذ أو إصرار والدين، فإن الأمر لا يكلفه وقتا طويلا فالقضية كلها إعادة كتابة ما هو مقيد بجلاء في الكتاب المدرسي. اعتاد سالم أن يجتاز المرحلة تلو المرحلة دون أن يشعر بمتعة الدراسة، فالصورة في ذهنه راسخة أن المدرسة مملة، وبالتالي فهو في غير حاجة إلى التميز فيها لأنها وببساطة “لاتهمه”. مع تقدمه في المراحل الدراسية، سالم في أعين معلميه طالب متوسط المستوى، متوسط القدرات، ينجح ولكن دون تميز، فقدراته بالنسبة لهم ليست بالمتوهجة. تصور معلميه عنه انعكس بدوره إلى تصور سالم عن نفسه، فهو عند نفسه طالب لا يخاف الرسوب ولكنه أيضا لا يطمح إلى التميز. قدرات سالم مع مرور الوقت أصبحت كامنة، حيث نسى أو تناسى أن لديه موهبة.

 

كنز مهجور

الأستاذ الوقور صالح أبدا لا يعد أمثال الطالب سالم من الطلبة المتميزين لديه ولم يكونوا قط مصدر سعادة له فيما يتعلق بتحصيلهم المدرسي. وهم – أي أمثال سالم – لا يشكلون مشكلة بالنسبة له كون قدراتهم كامنة، فمن أين له أن يتعرف عليها ولا انعكاسات لها تتمثل في التفوق المدرسي. لتستطيع أن تتعرف على قدرات سالم الآن وهو في آخر سنة من المرحلة المتوسطة، أنت بحاجة إلى أن تزيل أكواما وترسبات من الأتربة والمخلفات الذي خلفتها تراكمات الزمن فطمست بريق الذهب. هذه الملاحظات في حياتنا المدرسية اليومية تؤيدها نتائج عدد من الدراسات العلمية والتي تشير إلى أن هناك نسبة كبيرة من الموهوبين – تختلف هذه النسبة باختلاف البيئات التربوية في المجتمعات المختلفة – قد تصل في أحايين كثيرة إلى 20% تصاب قدراتهم بكمون يصعب معه التعرف عليها إلا من خلال عدد كبير ومتنوع من أدوات القياس العلمية الكمية والنوعية.

إننا أمام فئتين من الموهوبين ذوي القدرات العقلية العالية؛ الأولى تميزت على المستوى الأكاديمي إلا أن هذا التميز لا يعدو أن يكون شكليا إذ لا يعبر بأي حال من الأحوال عن مستوى قدراتهم الحقيقية. الثانية هجرت عقولها وقدراتها الحقيقية حتى نستها فتاهت في زحام العدد الأكبر من الطلبة، فلم تعرف ولم تميز. وفي كلتا الحالتين، الكنز الحقيقي الذي يمتلكه هؤلاء الطلبة لم يكتشف وبالتالي لم يستثمر. 

 

عصر التخصص المبكر

تنبه العالم المتطور مادياً في وقت مبكر من القرن الميلادي السابق إلى أهمية وفاعلية ما يسمى بالتخصص المبكر لذوي القدرات العالية في أي مجال مهم من مجالات الحياة. أبطال الأولمبياد على سبيل المثال، يتم إعدادهم لمثل هذه التظاهرة من سني أعمارهم المبكرة، حتى أن مقولة اشتهرت لدى القائمين على مثل هذا الإعداد مفادها؛ “أن من لم يتم تقديم الرعاية المتخصصة له في مرحلة مبكرة قبل بلوغه الثلاث عشرة سنة لا يمكن أن يكون بطلا أولمبيا مهما كانت استعداداته.” وقياسا على ذلك، كانت هناك نداءات عديدة لتقديم الرعاية المتخصصة لذوي القدرات العقلية العالية في وقت مبكر وذلك لتحقيق هدفين رئيسين هما:

الأول: يتعلق بالطالب نفسه؛ إذ هو أحوج ما يكون إلى إشباع استعداداته العقلية والاجتماعية المتمثلة في الاحتكاك بأقران يضاهونه في القدرات ومستوى التفكير.

الثاني: يتعلق بالمجتمع؛ إذ هو أحوج ما يكون إلى الاستفادة من قدرات أفراده وخاصة النابهين منهم إلى أقصى درجة ممكنة ليحقق لمجموع أفراده أقصى قدر ممكن من الرقي والتقدم والمنافسة الحضارية العالمية.

 

قصة البداية

         ظهر العالم بصورة مختلفة في نهاية الخمسينات بعد الألف والتسعمائة عندما بدأت مجموعة من العلماء المتميزين في الرياضيات والعلوم والتربية في الاتحاد السوفييتي البائد بالتوقيع على خطاب مفتوح مطالبين بافتتاح أكاديمية خاصة للطلبة الموهوبين في المرحلة الثانوية، إلا أن هذه المطالبة لم تلق آذاناً صاغية لدى الحكومة، ولكن بعد أن تبنى هذه الفكرة العالم السوفييتي الشهير صانع أول قنبلة نووية لم يسع سياسيو الكرملين أن يتجاهلوا هذا المطلب بالرغم من كلفته المادية. على إثر ذلك خرجت إلى الوجود أربع أكاديميات متخصصة مرتبطة بأكبر الجامعات الروسية وعشرات من المدارس غير التفرغية في أوائل الستينات تحت عنوان رئيس وهدف واضح أطلق عليه في حينه إعداد قادة علماء العالم القادمون”، بسرعة خاطفة حققت هذه الأكاديميات نجاحات عديدة وسمعة واسعة مما دفع عدد من الدول التابعة والمنافسة إلى نسخ هذه الفكرة، فنشأت في الصين برامج خاصة للطلبة الموهوبين في الرياضيات والعلوم مع أوائل عام 1978م إثر دراسات عديدة حول أثر هذه البرامج، تطورت فيما بعد إلى أربع أكاديميات داخلية في الرياضيات والعلوم عام 1992م، يطلق عليها المدارس المفتاحية “”Key Schools”. ولم تكن الفكرة بعيدة عن أعين الأمريكان المترقبين لكل ما يحدث في الاتحاد السوفييتي. فبعد دراسات متعمقة من قبل Stanley  ورفاقه حول المنهج السوفييتي في تدريس الرياضيات والعلوم وخاصة البرامج التي تقدمها الأكاديميات، خرج بتوصيات مهمة أثارت ضجة في حينها تشير إلى أن افتتاح أكاديميات للعلوم والرياضيات في الولايات المتحدة مسألة تتعلق بمستقبل الأمة الأمريكية. وبالفعل بدأت أول أكاديمية للموهوبين في مجالات العلوم والرياضيات في ولاية نورث كارولاينا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980م، وبعدها انتشرت هذه الفكرة في مواطن متعددة في الولايات المتحدة ومنها إلى كثير من دول العالم مثل إسرائيل وكوبا وكندا والأردن وعدد من الدول الأوروبية وأخيرا بريطانيا وكوريا الجنوبية.

 

الحاجة ملحة

                هذه الأكاديميات أحد أنماط البرامج التي يمكن أن تقدم لأمثال عبدالرحمن وسالم في بلادنا وهناك غيرها، المهم أن نبدأ العمل بإرادة قوية، ومنهجية علمية، مستعينين بالله عز وجل أولا ثم بهمم الرجال والنساء أولي العزمات متمعنين في النظر، متأنين في العمل، فنحن بحاجة إلى أعين الحكماء، كما أننا بحاجة إلى عزيمة الشباب. أنا لا أشك أبدا في وجود طاقات بشرية عالية الجودة فيما بيننا تضاهي أعلى المعايير والمواصفات العالمية إن لم تتفوق عليها، إلا أن المشكلة ليست في انعدام وجودها ولكن في صناعتها. إن من فضل الله عز وجل على البشرية وكمال عدله أنه لم يختص جنسا ولا لونا ولا عرقا بقدرات عقلية عالية دون الآخرين، ولكن الشعوب والأمم تتنافس في تلمس هذه القدرات في أفرادها وتحمل مسئولية بعثها ومن ثم تهيئة البيئة المناسبة لصناعتها واستثمارها. لا يوجد شعب محكوم عليه أن يبقى في أذيال الحضارة، مقتات على فتات موائد الأمم، مستعبد مدى الزمن إلا بمحض اختياره علم ذلك أم لم يعلم. فهل من إرادة للكشف عن الكنز الذي لا ينضب؟ وهل من إرادة لاستثماره حيث لن نخسر؟

 

الموهوبون … كنز مهجور

 

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *