هل زرت هذا الصف؟

 

عندها ستعرف متعة التعليم والتعلم
مجلة المعرفة – العدد 93

لم تمض فترة طويلة بعد وصولي إلى الولايات المتحدة الأمريكية لغرض الدراسة حتى بدأت بزيارات متتابعة ومنظمة إلى المدارس الابتدائية في المدينة الجامعية التي أسكن بها. وعلى الرغم من أن البيئة بجملتها كانت جديدة بالنسبة لي إلا أن زيارات المدارس هذه كانت تشكل الجانب الأكثر متعة والأكثر جذبًا لانتباهي. لم يكن حبي للتعليم والتدريس هو الدافع الوحيد لهذا الاتجاه، ولكن أيضًا فضولي وظمئي للتعرف على مصادر التقدم الحضاري الهائل في هذا المجتمع على الرغم من أن الحياة فيه تتسم بالمادية حتى النخاع. إني أبحث عن منابع الإبداع وعن مصادر ضخه في جسد الأمة.

حديثي في هذه المقالة ليس سردًا للجوانب الإيجابية أو السلبية في مدارس ذلك المجتمع، ولا وصفًا لنماذج المدارس والصفوف الدراسية فيه، كما أنه ليس استعراضًا لما ينبغي أن تكون عليه مدارسنا ومعلمونا مقارنة بمدارسهم ومعلميهم، وإنما هي محاولة لاستكشاف عنصرين اثنين وجدتهما أساسًا لأي بيئة خصبة يترعرع فيها المبدعون وتنبثق منها المواهب، ومع هذا أجدهما من أقل الأمور التي يوليها كثير من المعلمين أو المربين عنايتهم. هذان العنصران هما: تنمية الشعور بالمسؤولية، وتنمية الشعور بالاحترام. عنصران أكاد أجزم أنهما بنية تحتية لا غنى عنهما لأي عملية تعليمية تهدف إلى تنمية المواهب وتربية القادة. حديثي عن هذين العنصرين وسبل رعايتهما وتنميتهما من واقع ما شاهدته خلال عام دراسي كامل في الصف الأول الابتدائي في إحدى المدارس التي اعتدت تكرار زيارتها خلال فترة مكوثي هناك. وقد ارتأيت أن أفرد الحديث عن كل منهما على حدة، فأتحدث هنا عن تنمية الشعور بالمسؤولية وأدع الحديث عن العنصر الآخر في الجزء الثاني من هذا المقال لاعتقادي أن الحديث عن كليهما يحتاج إلى شيء من البسط قد لا تستوعبه الصفحات المخصصة لهذا المقال.

 

قدرات عجيبة:

ما زلت أذكر تفاصيل لقائي الأول مع أحد الأطفال في ساحة قريبة من بيتي في وسط الإسكان الجامعي عندما فاجأني بمبادرته لي بالسؤال وبكل أدب: ما اسمك؟ من أين أتيت؟ متى أتيت إلى هذه البلدة؟ ما الذي أحببته هنا؟ ماذا تدرس؟…إلخ، وفي كل مرة أجيبه، يتحدث هو عن نفسه في الموضوع ذاته مبينًا وجهة نظره بكل وضوح وبلا تلكؤ، والأعجب من هذا حسن إدارته للحوار، ووضوح رؤيته لما يريد أن يصبح عليه عندما يكبر. هذه الجرأة لم أعتدها من نفسي فضلاً عن أطفال بلدي خاصة إذا ما علمت أن المتحدث معي هو أحد تلاميذ الصف الأول الابتدائي. كانت هذه المحادثة على قصرها محركًا قويًا وباعثًا لي لزيارة الصف الدراسي الذي يدرس فيه هذا الطفل للإجابة عن سؤال قفز إلى ذهني أثناء حديثه عن نفسه وتطلعاته، ألا وهو: هل هذا الطفل حالة فريدة من نوعه أم أنه عينة لتلاميذ صفه؟ ثم ما نوع الرعاية التي يتلقاها مثل هذا الطفل ليملك كل هذه الثقة بالنفس؟

الزيارة الأولى بعد أخذ الإذن بالزيارة من معلم الصف (آدم ) والذي كان في منتصف عقده الخامس من العمر، أذهلني ما شاهدته من فنون التعامل الراقي بين آدم وتلاميذه حتى إنك لا تدري من أي شيء تتعجب؛ أمن الحب الشديد المتبادل بين آدم وتلاميذه، أم من الحيوية والتفاعل عالي المستوى، أم من الروح المعنوية المرتفعة عند الجميع بما فيهم أنا. صورة خلابة لصف دراسي لا يتميز كثيرًا بإمكاناته المادية ولا التقنية ولكن بإمكاناته البشرية. يتكون الصف من 28 طالبًا وطالبة موزعين على سبع مجموعات. في وسط الصف تبدو طاولة عريضة ومنخفضة الارتفاع على شكل نصف دائرة تتناوب مجموعات التلاميذ عليها لعرض ومناقشة ما يقومون بإنجازه مع معلمهم. الحائط المقابل للتلاميذ مقسم إلى نصفين: نصف عليه السبورة والنصف الآخر عليه أربع لوحات متوسطة الحجم يمكن تغيير محتواها باستمرار. اللوحة الأولى حول أحوال الطقس اليومية، والثانية تعرض بالصور أهم الأخبار المحلية والعالمية، والثالثة لعرض أسماء المتميزين في المجالات المتنوعة لليوم السابق، والرابعة لتوزيع مسؤوليات الصف بين التلاميذ. يتم استعراض محتويات هذه اللوحات الأربع في العشرين دقيقة الأولى من اليوم الدراسي.

كنت أخص هذا الصف الدراسي بمزيد من زياراتي واهتماماتي حيث أقضي خلال الزيارة الواحدة ما يزيد على الساعتين أو الثلاث، ولعلي في أحيان كثيرة أذهب بنية البقاء لساعة أو أقل فأجدني مشدودًا للبقاء وقتًا أطول وغالبًا ما أجد نفسي ودون أن أشعر مشاركًا نشطًا في فعاليات هذا الصف متوليًا بعض مسؤولياته.

 

المسؤولية مشتركة:

بعد مضي أكثر من ثلاثة أرباع العام الدراسي وبعد عدد ليس بالقليل من الزيارات وتدوين الملحوظات قررت أن أجري حوارًا مع آدم في فترة استراحة الغداء، أخبرته ولأول مرة عن قصة المحادثة التي جرت لي مع أحد أطفاله ـ كذا يحب أن يسميهم “أطفالي” ولم أسمعه قط يذكرهم بـ�تلاميذي� ـ وكيف كانت السبب وراء زياراتي لصفه على وجه التحديد. ضحك وسأل: �وماذا وجدت؟�.أجبته فقلت: �لا أظنك تجهل الإجابة�. تابعت سؤاله فقلت: �أنا مغرم بدراسة الموهبة والإبداع في سلوك التلاميذ وقد رأيت في هذا الصف ضالتي، فما السر وراء كل هذا النجاح الذي تحققه؟ وما الذي يجعل أطفالك بهذه الحيوية والتفاعل؟ وكيف تغرس في نفوسهم الثقة بالنفس؟� أجاب وبهدوء: �إني أتحدث إليهم�. قلت: �ماذا تقصد؟�. قال: �أعرف أني أبالغ في تبسيط الأمور بهذه الصورة ولكن كما شاهدت أنا أفعل قليلاً من الأشياء؛ أحاور أطفالي حول الأمور التي تحدث خلال اليوم، أحاول جهدي بأن لا أكون المسؤول الوحيد عن إدارة الصف، آتي إلى المدرسة كل يوم واضعًا نصب عيني محاولة بناء صف دراسي يتعلم فيه الجميع بما فيهم أنا، أنا لا أحب أن أجعل من هذا الصف ملكًا لي والأطفال فيه مجرد ضيوف، بل أحب أن يكون الصف لنا جميعًا�.

السلوك والعلم يبنيان ولا يُعطيان ولعل آراء بياجيه (1932م”1″)(Piaget) وآراء من جاء بعده ممن يتبنى النظرية البنائية تجسد الإطار النظري في هذا العصر لهذا الأسلوب في التربية والتعليم. هذه النظرية ترى أن النظام والعلوم المختلفة ليست أشياء ملموسة يضعها المعلم أمام تلاميذه ليقول لهم ضعوها في أذهانكم، وإنما هي تبنى على خبرات الطفل السابقة. هذا المعنى يتضمن أن المتعلم يبني معارفه ومعتقداته ومبادئه كما يبني عامل البناء المنازل، وليس كما تشرب الاسفنجة الماء. بمعنى آخر، حتى يصبح التعلم أكثر رسوخًا وأشد أثرًا لا بد من أن تتاح فرصة للمتعلم ليصنع هو المعلومة بنفسه من خلال تفاعل ناشط بين معلوماته أو قناعاته السابقة والمعلومات الجديدة. فالإنسان من خلال هذه النظرة يبني المعلومات والتوجهات ولا يكتسبها فقط. لتحقيق هذا العمق من التعلم يتطلب الأمر أكثر من مجرد إلقاء أو عرض وترديد للمعلومات، بل يتعدى ذلك ليكون التعليم والتعلم متمركزًا حول الطفل أو التلميذ نفسه يشارك هو في صنعه. فالمعلم هنا موجه لعملية التربية والتعليم وليس مسيطرًا عليها. ولكن للأسف الشديد، تجد هذه النظرية معارضة شديدة من قبل بعض المعلمين والآباء لصعوبة يجدونها في التنازل عن هذه السيطرة، ظانين أنهم إن فعلوا ذلك فقد فقدوا التحكم بمجريات الأمور. من واقع تجربة وممارسة أقول: إن توفير هذا النوع من التعليم لا يعني فقدان زمام الأمور ولكن يعني توفير إطار عملي للتعليم مصحوب بتطلعات إيجابية لما يمكن أن يحققه المتعلمون ومجال واسع للتوجيه الذاتي.

 

ومضة نبوية:

هذه النظرية التي يتبناها آدم وشاهدتها مجسدة حية في صفه الدراسي تذكرني بحديث رسول الله الذي رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه:( أن فتى شابًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادنه. فدنا منه قريبًا. قال: فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أتحبه لابنتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال:ولا الناس يحبونه لبناتهم. فأخذ رسول الله صلى الله عليه ويسلم يكرر السؤال أتحبه لأختك؟ أتحبه لعمتك؟ أتحبه لخالتك؟ والشاب يجيب بنفس الإجابة. حتى قال الراوي: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه. فلم يكن الفتى يلتفت إلى شيء)(2). فكان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعظ هذا الشاب ويذكره بالآخرة ثم يخبره بالحكم الشرعي ولكن الرسول المربي صلى الله عليه وسلم أراد أن يشرك الفتى في الوصول إلى الحكم والمغزى منه، بانيًا ذلك على معلومات ومسلمات يملكهما الفتى لتكون أكثر رسوخًا وأشد أثرًا. وانظر مرة أخرى إلى الحديث لتجد المساحة الرحبة للحرية الفكرية التي هيأها المربي صلى الله عليه وسلم والتي دعت المتعلم إلى المشاركة بما يدور في ذهنه دون الشعور بخوف أو تردد. فليس وظيفة المربي توصيل معلومات مجردة لتحفظ وتردد عنه، ولكن مهمته أن يربي في نفوس تلاميذه الشعور بالمسؤولية تجاه ما يتعلمونه، حتى إذا ما حملوا هذا العلم ظهر على سلوكهم.

 

تحمل المسؤولية:

مهارة وسلوك “تحمل المسؤولية” مهارة إضافة إلى كونها سلوكًا إنسانيًا، لذلك يجب تدريسها ودمجها في المنهج الدراسي هكذا يقول آدم، ثم يسترسل فيقول: �لا يمكن أن نأتي فجأة ونطالب الطفل بأن يكون على قدر من المسؤولية ولم نبذل جهدًا يذكر لتنمية هذه المهارة وتوجيه هذا السلوك�. العجيب أننا في أحيان كثيرة نطلق أحكامًا ونتلفظ بكلمات مفادها أن هذا الطفل أو ذاك �لا يعتمد عليه� وكأن هذا الطفل قد خلق بهذه السجية أو أنه فجأة وبلا مقدمات أصيب بهذا المرض، وليس أمامنا إلا أن نشخصه ثم نخبره به ليكون على دراية به وبأنه مرض عضال لا شفاء منه. نطلق هذه الصفعة في ساعة من ساعات الغضب أو الإحباط وننسى أو نتناسى أن أي عملية تربوية بما فيها تربية الأطفال ليتحملوا مسؤولياتهم الآنية والمستقبلية تتطلب أن يعنى بها عناية مقصودة بذاتها منذ وقت مبكر من العمر تتابع وتراعى خطوة تلو خطوة ويومًا بعد يوم. في الصف الدراسي مرة أخرى أعظم ما يرجوه معظم المعلمين أن يكون لديهم صف يتسم بالنظام والسلاسة في الأداء. ومن العجب أن هذين الهدفين الرئيسيين لأي عملية تعليمية ناجحة يتحققان بأساليب قد تبدو في الظاهر ليست ذات علاقة واضحة بالعملية الأكاديمية أو التنظيمية. فقد رأيت في هذا الصف من فنون التربية التي تنمي الشعور بالمسؤولية لدى التلاميذ الشيء الكثير والتي بدورها تشكل أرضًا خصبة لتحقيق النظام والنمو العقلي. فلا تكاد تخلو حصة دراسية من معان كثيرة في هذا الجانب. قال لي آدم مرة: نجاح العملية التعليمية مسؤولية الجميع لذلك يجب أن أشرك جميع الأطفال في مسؤولية إدارة الصف التعليمية والتنظيمية.

 

توزيع للمهمات

لدى آدم جدول يومي لتوزيع المسؤوليات والمهمات بين أعضاء الصف (التلاميذ). هذا الجدول لا يتطلب من المعلم أن يبذل جهدًا فيه إلا مرة واحدة فقط ثم يستخدمها لعدة مرات منوعًا في الأسماء والتواريخ. يقول آدم: �المشكلة أننا نطالب التلاميذ بأن يتحملوا مسؤولياتهم ولكن نفشل في تعليمهم كيف�. قلت له: �اعذرني، أريد أن أسألك عن (كيف)�. استطرد وهو يبتسم ويحلق بصره في أرجاء الغرفة ليستقر على ذلك الجدول: �عندما توزع المهام بين التلاميذ، يشعر كل منهم بأنه أحد المسؤولين المهمين في هذا المكان كما يشعر بالثقة بالنفس… يجب أن يعرف التلاميذ مسؤولياتهم كما يجب أن نساعدهم على تنمية ثقتهم بأنفسهم�. إن الثقة بالنفس جزء لا يتجزأ من الشعور بالثقة بالمسؤولية. بدا لي وكأن الأطفال لا يخالجهم شك في أن أستاذهم يثق بقدراتهم ثقة متناهية. قال لي مرة أحد الأطفال بعد أن سألته إن كان يعتقد أن ما أنجزه من عمل سيرضي أستاذه، قال: �هو يعلم أنني أبذل قصارى جهدي، وهذا يكفي�. إجابة مفاجئة كهذه دفعتني للتفكير مرة أخرى في الهدف من الواجبات والأنشطة المدرسية والمنزلية! أنا كمدرب أو معلم، هل يهمني النتيجة التي يصل إليها الطفل أم الوسائل المطروقة والجهد المبذول؟ هل ننمي لدى أطفالنا الشعور بالمسؤولية تجاه الأعمال التي يكلفون بها وذلك من خلال فهم وتقدير جهدهم المبذول، أم أننا نقفز لنحاسبهم على النتيجة فننظر، إن كانت وفق ما نريد أثنينا عليهم وإن كانت غير ذلك وبخنا. مع الأسف الشديد، إن التركيز على النتيجة فقط جعل كثيرًا من أطفالنا بل وشبابنا يبحثون عن المحصلة المبتغاة من قبل المعلم أو الأب بأي وسيلة متاحة حتى وإن كانت عن طريق الغش أو التضليل.

الخطأ مقبول أخبرت آدم بما قاله هذا الطفل وطلبت منه رأيه فقال: �أنا دائمًا أحاول أن أخبر أطفالي بأني لا أتوقع منهم الكمال في كل شيء، أخبرهم أني أثق بأنهم سيبذلون قصارى جهدهم وهذا كل ما أريده، أنا أثني دائمًا على الجهد المبذول وليس بالضرورة أن أمتدح النتيجة�. من الجميل، بل أعتقد أنه من الضروري أن نخبر الطفل أنه لا بأس أن يخطئ، لا يفهم من أول مرة، أن يسيء تفسير قضية ما، فالمهم أن يتعلم من ذلك شيئًا جديدًا في كل مرة، هذه خطوات مهمة في طريق بناء الشعور بالمسؤولية. مع نمو الشعور بالمسؤولية تجاه الصف الدراسي، تجد أن الأطفال ليست لديهم ثقة بقدراتهم وأفكارهم فحسب، بل لديهم ثقة في قدرتهم على مساعدة الآخرين في التعليم، كما أن لديهم قابلية ورغبة في التعلم من الآخرين. كنت أشاهد منظر الأطفال وهم ينتقلون في الصف بحثًا عمن يحتاج إلى مساعدة ما، وفي الوقت نفسه أجدهم يتعلمون أشياء جديدة. فجأة، تسمع الطفل الذي قام من كرسيه ليساعد طفلاً آخر يقول: �تبدو فكرتك أفضل من فكرتي، سأحاول التعديل من المشروع الذي أقوم به�.

 

تحمل المسؤولية والإبداع:

عندما يستشعر الطفل المسؤولية تجاه المهمة التي يقوم بها سيسعى جاهدًا أن يبذل قصارى جهده نحو الإتقان بل الإبداع. عندما كنت أشاهد الأطفال وهم يعملون في مجموعات أو أفراد، كنت أعجب من العمل الدؤوب والمتعة الفائقة التي تبدو على محياهم وهم يتنقلون في أرجاء الصف. سألت آدم مرة أخرى عن هذا فقال: �لا أظن في الأمر غرابة، الأطفال يقومون بالأعمال التي أحبوها قبل أن يكلفوا بها فقد شاركوا في اختيارها، لذا فهم يشعرون بمسؤولياتهم تجاهها�. من خلال قراءاتي وأبحاثي في مجال تنمية الإبداع والموهبة توصلت إلى قناعة راسخة بأن السلوك الإبداعي ينمو ويزدهر عندما يكون هناك رغبات ودوافع نابعة من الداخل لإنجاز مهما ما. هذه النظرة مدعومة بمجموعة كبيرة من الأبحاث العلمية الموثقة (Amabile, 1989)(3) والتي تناولت العوامل المؤثرة في نمو أو إعاقة السلوك الإبداعي. ملخص هذه الأبحاث فيما يتعلق بموضوع المقال أن من أهم عوامل قتل الإبداع هو الاتجاه نحو تربية الأطفال على التبعية وتقليص فرص مشاركتهم في اتخاذ القرارات وتوزيع المسؤوليات. كيف نرجو الإبداع من قادة المستقبل ولم نوفر لهم بيئة تربوية مصغرة يتدربون فيها على إدارتها تخطيطًا وتنفيذًا، يستشعرون فيها مسؤولياتهم تجاه ما يقومون به، يتحررون فيها من الخوف من الخطأ إلى حب التعلم من الأخطاء ومن الرغبة في إرضاء الرقيب البشري الخارجي إلى الرغبة في إرضاء رب السماوات وتحقيق الذات؟!

 

رؤية داخلية:

في تصوري، أنه بالإمكان التطوير من نظامنا التعليمي والاجتماعي عندما نحاول أن ننمي الشعور بالمسؤولية الذاتية. يجب أن تتاح للطفل فرص ليعالج فيها أي قضية يواجهها بمساعدته على التحليل الدقيق لها والنظر إلى جوانبها المتعددة ومن ثم هو من يتخذ فيها القرار. لا بد لنا كمعلمين ومربين أن نخرج من إطار الأسئلة المقيدة والتي لا تحتمل أكثر من إجابة ولا تتيح للعقل البشري أن يظهر تميزه واستقلاليته. لا بد لنا من فهم أوسع لمفهوم النظام والانضباط. مفهوم لا يضعه فرد واحد يدعي أنه الأعلم والأكبر والأحق بالتشريع ليتحمل هو وحده فيما بعد مسؤولية الحفاظ عليه. كثيرًا ما نكون ـ نحن المعلمين ـ قلقين ومهتمين جدًا لتغطية المنهج قبل نهاية العام الدراسي ونغفل الأهم وهو إعداد الطفل للحياة. من واجبنا نحو التلميذ أن نساعده كي يجعل من عقله آلة قادرة على توليد الأفكار والحلول دون تبعية لأحد والتي تعبر عن ذاته هو لا عن رأي أو ذات غيره. تنمية الشعور بالمسؤولية عملية تربوية يحتاجها كل منا لنكون قادرين على القيام بالمهمات والواجبات المنوطة بنا في حياتنا الآنية والمستقبلية بإذن الله تعالي. المشكلة التي نعانيها ليست في عدم وجود المعرفة ولكن في تحمل مسؤوليتها. نمو هذا الشعور فينا يجعل منا أصحاب همم عالية، نشعر بمسؤولياتنا تجاه ديننا ووطننا ومجتمعنا. لنعلم أطفالنا الشعور بالمسؤولية من خلال إتاحة الفرصة لهم باتخاذ قرارات تتعلق بكيفية تسيير الأمور في المكان الذي يشاركون فيه سواء كان ذلك صفًا مدرسيًا أو منزلاً أو غير ذلك. نحن بحاجة إلى تحرير أذهاننا من أن النظام يحتاج إلى ضبط وسيطرة، إلى استيعاب أن النظام يحتاج إلى توزيع للمهمات.

 

الاحترام هدف تربوي:

الأساس الثاني المحرك لنجاح آدم هو قدرته على زرع أسس الاحترام المتبادل في صفه. لو قلت لأي معلم أو مرب هل تربي تلاميذك على الاحترام؟ لأجاب ودون أدنى تردد بـ�نعم�.ولكن كيف؟ الاحترام صوره متعددة محسوسة أكثر منها ملموسة. زرع روح الاحترام يحتاج إلى وقت، وقت للاستماع إلى الطفل، الاستماع وليس السماع، إلى ما يقوله الطفل والتفاعل معه فيما يقول بأريحية وطول بال. ولعلي أعرض هنا بعض ما شاهدته بين آدم وتلاميذه مما يجسد قيمة الاحترام بصورة عملية في نفوس الأطفال.

 

الاستماع ثم الاستماع:

أكاد أجزم أنه لا يوجد معلم إلا ولديه طفل يود أن يحدثه عن قصة أو حادثة وقعت له. كنت أشاهد آدم وهو جالس على كرسيه يستمع بكل اهتمام لأحد أطفاله وهو يحدثه عن واقعة حدثت له وآدم يتفاعل مع هذه القصة وكأنه يتحدث مع صديق مقرب له. هذا كله يجري وهو يعلم أن 27 طفلاً ينتظرون دورهم ليسردوا له قصصهم ويشركوه في مشكلاتهم وآرائهم. أتعجب من هذا النفس الطويل وسعة البال وأقول في نفسي إنه يضيع وقت الحصة بما لا يخدم المصلحة التعليمية، إلا أنني أفاجأ بأنه يفعل ذلك وفي الوقت نفسه ينجز ما أعد له من مادة علمية. سألته فقلت: كيف تجد الوقت الكافي للاستماع للقضايا الاجتماعية وغيرها من أطفالك دون أن يؤثر ذلك في المسيرة الأكاديمية؟ قال وهو يبتسم: �ألا تعتقد أن ذلك من صميم المسيرة الأكاديمية، ألا تعتقد أنهم عندما يشعرون بأنني أستمع إليهم وأحترم قضاياهم هم بالمقابل سيحترمون ما أقول ويستمعون إليَّ، إن الوقت الذي أقضيه لسماع ما يريدون أن يقولوه لي وإن بدا تافهًا، هو استثمار أجد ثماره في حسن تجاوبهم وحبهم لي�. الفرق بين العقلية التي أنطلق منها والأخرى التي ينطلق منها هو، أنني بحكم الترسبات القديمة للتعليم التقليدي الذي عايشته أقدم الحصيلة العلمية على أنها الأساس لوجود الطلاب في المدرسة، أما ما ينطلق منه هو أن المدرسة مكان يتعلم فيه الطفل منهج حياة وليست فقط جزئية ضيقة تسمى المعلومات. آدم بتصرفه ذاك يمثل أنموذجًا للاحترام، احترام الطفل ذاته، احترام أفكاره. الطفل يتشرب هذا الأنموذج من الاحترام من كل حركة يتجاوب بها آدم معه؛ من خلال تصويب نظره عليه، توجهه إليه بكامل حواسه، ومشاركاته ومداخلاته.

 

تجني ما تزرع:

الاحترام أيضًا يمكن تنميته من خلال اللغة المستخدمة. نوع الكلمات التي كان يستخدمها آدم تنم عن احترام وتعامل راق في ذلك الصف والذي انعكس بدوره أيضًا على نوع الكلمات المستخدمة من التلاميذ فيما بينهم. ليس فقط نوع الكلمات المستخدمة بل حتى نبرة الصوت وأسلوب العرض كان ينم عن احترام لعقول التلاميذ وشخصياتهم. �الاحترام شيء لا بد أن نعطيه ليتسنى لنا الحصول عليه�، ما أكثر ترديد آدم لهذه الجملة أمام أطفاله. وأنا شاهد على أن آدم كان يستثمر في الاحترام بسخاء من الجهة العملية، وأنا شاهد على أنه حصل أرباحًا قياسية في الجانب نفسه. نحن كمعلمين دائمًا نطالب التلاميذ بأن يظهروا الاحترام في سلوكياتهم، لكن مع الأسف الشديد هذه المطالبة لا تتعدى أن تكون خاصة باحترام من طرف واحد يقدمه التلميذ لصاحب السلطة (المعلم).مبادئ الاحترام دقيقة للغاية تحتاج إلى عناية فائقة وحساسية مفرطة لشعور الآخرين. الاحترام شعور أي أنه يبني في قرارة النفوس، يشعر به من خلال مجموع تعبيرات الجسم المنطوق منها والمشاهد. فإذا خالف المنطوق المشاهد كان هناك اضطراب في فهم الرسالة الموجهة مما يؤدي إلى رفضها. كان آدم يتحاور مع المعلم المتعاون (الطالب الجامعي الذي جاء للتدرب على التدريس) فلفت انتباهي توجيهه المباشر له على ضرورة تبني لب الاحترام وليس قشوره فحسب، تحدث آدم وقسمات وجهه تكاد تنطبق بما يريد فقال: �لا بد من أن نسر الاحترام كما نظهره، حتى من خلال حديثنا مع الأطفال، أعتقد أنه من الضروري أن نراقب نبرات أصواتنا لنسمعهم ما نريد بالصورة التي نريد أن نسمع أصواتهم بها، ما نعطيه لهم يجب أن يكون متوافقًا مع ما نتوقعه منهم�.

 

موقف لا أظنني أنساه:

آدم معتاد أن لا يدع فردًا في صفه تلميذًا كان أم زائرًا إلا ويجعل منه جزءًا فعالاً في العملية التربوية. أناط إليَّ مرة مهمة أتابع فيها مجموعة من الأطفال وهم يقومون بأحد الأنشطة اليومية؛ استفهم أحد الأطفال حول نقطة في ذلك النشاط فأجبته وانتهت المحادثة. بعد انتهاء الفترة الرابعة من ذلك اليوم الدراسي وفي فترة راحة الغداء، أقبل إليَّ آدم وطلب أن نتحدث معًا. جلسنا متقابلين واستهل كعادته بتقديم شكره وامتنانه بمشاركتي له في أنشطة الصف ثم قال: �تفاعلك مع التلاميذ رائع ولكن اليوم لحظت أمرًا أزعجني قليلاً وأحب أن أقدم نصيحتي�. قلت :� أرجو أن لا تتردد فأنا لم آت إلى صفك إلا كي أتعلم�. قال: �قد يبدو الأمر تافهًا، لكن هو عندي أمر مهم. عندما تتحدث إلى أحد الأطفال حاول دائمًا أن تحادثه وعيناك في مستوى ارتفاع عينيه، لا تضطره إلى أن يرفع رأسه فيشعر بعدم التكافؤ بينك وبينه�. هل شعرت بما شعرت به عند أول وهلة من سماعي لهذه الكلمات؟ نعم.. شعرت وكأن الأمر تافه ولا يستدعي كل هذا الاهتمام. لكن لعلك تتمعن في بعض المعاني وتضع الصورتين في مخيلتك وتقارن بينهما لتجد ما وجدت بعد وقت ليس بالقصير من التفكير. أحيانًا لا يحتاج الواحد منا أن يبذل الجهد الكبير أو أن يبالغ في المديح، ولكن هي لمسات تربوية حانية يحاول المعلم فيها أن ينظر من خلال عيني تلميذه.

 

دقة ملاحظة:

نعم.. توصيل الشعور بالاحترام يحتاج إلى وقت كما يحتاج إلى حصافة ودقة ملاحظة. يحتاج من المربي وقتًا لينظر في قسمات الوجوه، ويتمعن فيها ليستشف منها ما يحمله الأطفال من شعور. هل يشعر الطفل بنشوة ومتعة، أم يشعر بتعب وإرهاق، أم يشعر بصعوبات في التعلم… هذا يجعل من التفاعل مع كل طفل يتسم بالخصوصية التي تشعره بالحب والاحترام وأن هناك من يفهمه. احترام آدم للتلاميذ من خلال الأداء العملي واللفظي كان جزءًا من الصورة الجميلة لمعاني الاحترام التي يرسمها هذا المعلم المبدع ولكنها لم تكن كل ما تحتويه هذه الصورة. فكما هو الواجب أن يراعي المعلم في ألفاظه وتعاملاته إبراز جانب الاحترام، يجب عليه أيضًا أن يتابع بعناية هذا الجانب من السلوك فيما بين التلاميذ.. أذكر مرة أن أحد التلاميذ انتزع قلمًا من زميل له مما اضطر الآخر إلى الشكوى لدى آدم والذي بدوره ذهب إلى الطفل الآخر فقال: �أخبرني زميلك بأنك قد أخذت قلمه وأنا أود أن ترجع له قلمه وأنا سأجد قلمًا بديلاً لك�. عندما وقع هذا الحدث وتمعنت فيه وجدت أن آدم لم يجعل التلميذ الآخر في موقع التهمة ولكن عرض الموضوع وكأن هناك حاجة لدى الطفل للحصول على قلم لكنه أخطأ الطريقة وساعده على تلبية هذه الحاجة بأسلوب يتسم بالاحترام دون أن يحوج المقابل لأن يأخذ جانب الدفاع والذي غالبًا ما يحمل صاحبه على أن يتبنى وجهة النظر المعاكسة. هذا لا يعني أن آدم يتجاهل دائمًا أخطاء التلاميذ ويتجنب معالجتها، بل العكس صحيح. إن ما يقوم به آدم هو محاولة معالجة السلوك المنحرف من جذوره ويتجنب التشهير به أو وضع الطفل في موضع يفقد فيه احترامه لنفسه، وبالتالي لا يبالي فيما بعد أن يعاود السلوك الخاطئ عن قصد وترصد. ففي المثال سابق الذكر حول حادثة أخذ أحد الأطفال قلم صاحبه، جهد آدم في معالجة القضية لم ينته عند الحل المذكور، ولكن أراد تأجيل الحديث عنها قليلا ليعالج أساس المشكلة دون أن يشعر أحد من التلاميذ أن هناك ارتباطًا بين الحادثة والعلاج المقترح.

 

مشاركة في اتخاذ القرار:

في كثير من الأحيان كان آدم يدع مجالاً للأطفال جميعًا للمشاركة وإبداء الرأي لحل المشكلات التي تقع ويكون دوره هو فقط ملاحظة أسلوب الحوار وكيفية الوصول إلى النتائج مع توجيه محدود للأسلوب المتبع أحيانًا. يقول آدم معلقًا على هذا الجانب: �من خلال خبرتي، وجدت أن الحلول والأنظمة التي يتوصل إليها الأطفال بأنفسهم، غالبًا ما تكون أكثر فاعلية وأدعى أن يحترموها، وهم في الوقت نفسه يتعلمون أشياء كثيرة من خلال هذه الطريقة�. العجيب في الأمر، أن آدم كان نادرًا ما يتدخل لعرض حلوله المقترحة وعندما سألته عن السبب قال: �أحب أن أحترم استقلاليتهم وقدراتهم التفكيرية، فإن تدخلت برأيي فغالبًا ما سيؤثر في آرائهم ويحول بينهم وبين الطلاقة في التفكير في كل اتجاه�. هذا ما يدفع آدم إلى السؤال عن الذي يجب فعله بدلاً من ذكر ما يجب فعله في الحالات التي تستوجب تدخل المعلم أو المربي لتعديل سلوك بعينه أو سوء فهم بين الأطفال. فعند حدوث مشكلة ما في الصف غالبًا ما يعرضها بأسلوب موضوعي أمام الجميع ثم يطلب من الجميع المشاركة في إيجاد الحلول. فبعد أسبوعين من حادثة أخذ القلم، طرح آدم النشاط التالي لتتم دراسته في مجموعات ومن ثم بصورة جماعية: �أخذ أشياء الآخرين دون استئذان قد يغضب بعض الأطفال، فما الحلول المقترحة لتلافي هذه المشكلة؟� مثال آخر ولعلاج مشكلة أخرى: �ماذا يمكن أن تشعر به عندما يتعمد أحد إغاظتك؟ وما الحلول المقترحة؟� الذي وجدته بالإضافة إلى فاعلية هذا الأسلوب في بث روح الاحترام بتحسس حاجات الآخرين، فاعلية هذا الأسلوب في بث روح التفاعل والحيوية في الصف مع تنمية قدرات الحوار والمناقشة بأسلوب راق قد لا يجيده كثير ممن هم في مستويات أعلى.

الكمال النبوي ما شاهدته في غرفة آدم الدراسية ذكرني بالمنهج النبوي في التربية والذي هو وبلا شك أكمل وأشمل وأجدر أن يقتدى به. ذكرني بأحاديث طالما تدارسناها ورددناها عن المربي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، لكن وللأسف الشديد لم نتجاوز مرحلة الإعجاب بها. أذكر في هذا المقام كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يغرس روح الاحترام في نفوس أصحابه رضوان الله عليهم، وذلك من خلال المنهج العملي والذي لا يخلو من إشارات واضحة يتعلم منها جميع من حضر. روى الإمام البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: �أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، لا أؤثر بنصيبي منك أحدًا، فتله ـ أي وضعه ـ رسول الله عليه وسامفي يده�(4). كم في هذا الحديث من معان في احترام حقوق الأطفال مهما كانت ثقيلة على الكبار بل والأشياخ.

اسمح لي أيها القارئ الكريم أن أطلب منك أن تتصور الموقف وتطبقه على نفسك، ثم ضع أنت قوائم من الفوائد التربوية التي يمكن أن تجنيها أنت وأطفالك من هذا السلوك. ثم تعال معي إلى معنى أعمق لمظاهر الاحترام لعقول الأطفال لم يصل إليه آدم بعد ألا وهو توفير خبرات حية يتم إعدادهم من خلالها للمستقبل، كما يشعر من خلالها الأطفال بأهميتهم في هذا المجتمع؛ يتحملون جزءًا من مسؤولياته. روى الإمام البخاري عن أنس رضى الله عنه أنه قال : (أسر إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم سرًا، فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به)(5). أليس في ذلك تربية على احترام العهود، أليس في ذلك تنمية لثقتهم بأنفسهم، أليس في ذلك تعزيز لمعنوياتهم، أليس في ذلك إثراء لعلاقاتهم بالمجتمع؟

 

تنمية روح الاحترام وتنمية الإبداع:

هل لتنمية روح الاحترام علاقة بتنمية الإبداع؟ أقول وبملء فيّ: نعم، بل هو من الأسس المهمة للبيئة المشجعة على الإبداع. إن النظريات العلمية والتجارب العملية نصت على أن من أهم عناصر الإبداع القدرة على توليد أفكار كثيرة وجديدة لم يعتدها المجتمع من حوله(6) (Torrance, 1987) هنا قف قليلاً وتمعن، هل فاقد الشعور بالاحترام قادر على أن يولد الأفكار؟ إن فاقد الشعور بالاحترام هو فاقد للشعور بالأمان. عندما تكون في بيئة لا ترى للتميز وزنًا، ولا تستطيع أن تقف أمام فكرة جديدة إلا أن تسفهها وتسفه صاحبها، فهل ستكون آمنًا مطمئنًا على نتاج فكرك. هل سيكون همك هنا توليد الأفكار الإبداعية أم ما يكفّ اللوم عنك ويغضُّ الطرف عن سوءاتها المحتملة. حتى نربي وننمي في أبنائنا السلوك الإبداعي، لا بد لنا أن نهيئ له بيئة تربوية تحترم عقله كما تحترم رأيه، بيئة تحترم تساؤلاته وحيرته، بيئة تفتح له آفاق النقاش وتشجعه على البحث وتستميله للتفكير.

 

رؤية داخلية:

ربما لا يتذكر الأطفال ماذا قلنا لهم فيما يتعلق بالاحترام، لكن وبكل تأكيد سيتذكرون أننا كنا نتعامل معهم باحترام أم لا. إنهم يتعلمون من خلال مشاهدتهم لأفعالنا، وليس من خلال ما يسمعون حول ما يفترض أن يكون من سلوكيات. لا نستطيع أن نثبت لأطفالنا أن ما نقوله حول الاحترام أمر مهم وجاد ما لم نعشه واقعًا. إذا أردنا من أبنائنا أن يحترموا حقوق الوالدين، وحقوق المعلم، والجار، والصديق، والوطن.. إلخ لا بد أن يشاهدوا هذا السلوك متمثلا في سلوكنا معهم ومع غيرهم؛ في البيت في المدرسة، في أثناء قيادة السيارة، في أثناء تأديتنا للصلاة في المسجد، وفي أثناء حديثنا عن الآخرين. نعم.. لا بد أن نتعلم أن أعمالنا أصواتها أعلى من أقوالنا. عندما نضع القوانين، عندما نتحدث عن ما يجب أن يكون، ثم نخالف ذلك كله أو بعضه؛ فإن ذلك رسالة قوية واضحة وصريحة أن هذه الأمور كلها ليست مهمة بالدرجة الكافية.

 

You may also like...

1 Response

  1. هذه المقالة بحق.. أجمل مقالة قرأتها حتى الآن وتعلمت منها الكثير، هي مزيج جميل جدا ما بين علم، وعمق فهم، وخبرة، وإبداع وحب للدين.. تعطي معلومات هامة وأفكار جميلة للمعلمين كافة.. وتعطي بعدا آخر لأسلوب الكتابة السلسة والمنظمة.. وأجمل ما فيها قدرة الكاتب على نقل مسار تفكير القارئ إلى بعد أرقى حينما يكون القارئ متأثرا ومندمجا مع أخلاقيات وبراعة معلمي الغرب ليعود فجأة إلى حقيقة أن المعلم الأفضل من هؤلاء هو محمد صلى الله عليه وسلم.. أسأل الله لك الأجر العظيم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *